محمد جواد مغنيه
198
الجوامع والفوارق بين السنة والشيعة
النبوة وبعدها ، ولا يصدر عنهم ما يشين لا عمدا ولا سهوا ، وأنهم منزهون عن دناءة الآباء وعهر الأمهات ، وعن الفظاظة والغلظة ، وعن الأمراض المنفرة كالبرص والجذام ، بل وعن كثير من الأعمال المباحة المنافية للتعظيم والتوقير ، كالأكل في الطريق ونحوه « 1 » . واستدل القائلون بوجوب العصمة للأنبياء بأن الغرض من البعثة عدم وقوع المعصية ، وإطاعة اللّه ، فلو عصوا أو أخطئوا في تبليغ الأحكام لم يحص الغرض . ولصدق على الأنبياء قول القائل : « حاميها حراميها » هذا إلى أن صدور الذنوب عنهم يوجب سقوط هيبتهم عن القلوب . وانحطاطهم في أعين الناس . فلا ينقاد إليهم أحد . وقد روي أن امرأة أتت النبي بولدها ، وقالت له : يا رسول اللّه إن ولدي هذا أرمد العين ، ولم يرتدع عن أكل التمر ، فأمره أنت لعله يقبل منك . فقال لها : آتيني به غدا ، لأني اليوم أكلت تمرا ، فلا يؤثر فيه قولي . أما الآيات التي وردت في القرآن ، ويوهم ظاهرها صدور الذنب عن الأنبياء ، كقوله تعالى : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ما إلى ذاك فقد فسرها كل فريق حسب مذهبه ، فالذين قالوا بجواز الذنوب قبل البعثة حملوها على أن الأنبياء أذنبوا قبل أن يوحى إليهم . والذين منعوا عنهم الكبائر دون الصغائر ، فسروها بالصغائر . والذين جوزوا صدور الكبائر سهوا ، والصغائر عمدا أولوها بذلك ، والذين نفوا عنهم الكبائر والصغائر عمدا وسهوا قبل البعثة وبعدها ، كالإمامية قالوا : إن الأنبياء فعلوا خلاف الأولى والأرجح ، لا إنهم فعلوا محرما ، وإن اللّه عاتبهم على عدم اختيار الأولى والأحسن ، لأن الأنسب لمقامهم لو خيروا بين أشياء مباحة أن يختاروا الأحسن على الحسن ، والأولى على غيره .
--> ( 1 ) لا دليل على هذا كله إلا التشدد في تنزيه الأنبياء ، وصيانة مقامهم حذرا من أن تنفر منهم الطباع ، وإلا فأي دخل لهم في ذنوب الآباء والأمهات ، وقد قال اللّه على لسانهم : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى .